الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
183
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
هذا القبيل قول الرسول صلى الله عليه وآله : « صلّوا كما رأيتموني اصلّي » « 1 » ، ثمّ قال : لا يبعد كون هذا النوع من الوضع هو منشأ التبادر في الحقائق الشرعيّة » « 2 » . لكن أورد عليه بعض المحقّقين : بأنّ حقيقة الاستعمال إلقاء المعنى في الخارج بحيث يكون الألفاظ مغفولًا عنها ، فالاستعمال يستدعي كون الألفاظ مغفولًا عنها وتوجّه النظر إليه بتبع المعنى ، بخلاف الوضع فإنّه يستدعي كون اللفظ منظوراً إليه باستقلاله ، ومن الواضح إنّه لا يمكن الجمع بينهما في آنٍ واحد « 3 » . والتحقيق : أنّ الإشكال في المقام متوقّف على كون اللفظ آلة ومرآة للمعنى وفانياً فيه ، وهو ممنوع جدّاً ؛ لأنّ كلّ مستعمل للكلمات والألفاظ ينظر أوّلًا إلى كلّ واحد من اللفظ والمعنى نظراً استقلالياً ، ثمّ يستعمل اللفظ في المعنى كما هو واضح بالنسبة إلى من هو حديث العهد بلغة . نعم يحصل الغفلة عن اللفظ بعد استعمالات كثيرة وحصول السلطة على الاستعمال ، ولكن هذه الغفلة المترتّبة على تلك السلطة ليس معناها دخلها واعتبارها في حقيقة الاستعمال وفناء اللفظ في المعنى حين الاستعمال ، مع أنّ الاستعمال ليس من الأمور الآنية بالدقّة العقليّة ، بل يمكن إحضار معان متعدّدة في الذهنّ أوّلًا ، ثمّ ذكر اللفظ لإفادتها ، كما يأتي توضيحه في مبحث جواز استعمال اللفظ المشترك في المعاني المتعدّدة ، فظهر من جميع ذلك أنّ هذا النوع من الوضع متين جدّاً . ثمّ يبقى الكلام في أنّ الألفاظ الدائرة في لسان الشرع للُامور المستحدثة هل وضعت لها بالوضع التعييني بأحد نوعيه ، أو التعيّني ؟
--> ( 1 ) . هذا الخبر وإن تكرّر في ألسنة فقهائنا وكتبهم ، ولكن لم يرد من طرقنا ، انظر : عوالي اللئالي ، ج 1 ، ص 198 ؛ صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 155 ( 2 ) . كفاية الأصول ، ص 21 ( 3 ) . أجود التقريرات ، ج 1 ، ص 33 - 34